المقريزي
310
رسائل المقريزي
الامتلاء « 1 » ، وقد أغنانا الله ، وله الحمد ، بما أنزله في كتابه ، وما صحّ من حديث نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم عن أقوال الأطباء التي لا تكاد أدلتها تصحّ ، إذ غايتها أن تكون إقناعيّة . هذا لو كان قول الأطباء فيه ما يخالف ذلك ، وأما ما كان موافقا فما ذا بعد الحق إلّا الضلال . وأوع سمعك فائدة جليلة ، وهي أن الطبّ النبوي جميعه قسمان : أحدهما : ما كان من عادة العرب العلاج والتّداوى به . الثاني : ما جاء بوحي إلهي . فالأول : قسم من أقسام الطب . والثاني : لا يصح تأثيره إلا مع قوة إيمانية ، ويقين صادق ، وإلا فلا منفعة له ، فإنه إذا اقترن به ما شرطناه ، لأنجع دواء ، وأسرع شفاء ، فطالما استشفى وشفى أهل الله « 2 » ، وخاصته بآية من القرآن ، وبلعقه من عسل ، أدواء يعجز عنها حذاق الأطباء . . . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * .
--> ( 1 ) فصل العلماء الذين تعرضوا لهذا الحديث هذه المسألة فقالوا : « اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة ، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع : منها : الهيضة التي تنشأ عن تخمة ، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها ، فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة ، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى اللّه عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها . وللمعدة خمل كخمل المنشفة ، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها ، وأفسدت الغذاء الواصل إليها ، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط ، ولا شيء في ذلك مثل العسل ، لا سيما إن مزج بالماء الحار ، وإنما لم يفده في أول مرة ؛ لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء ، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية ، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر ، فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ، فأمره بمعاودة سقيه ، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله ، وفي قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « وكذب بطن أخيك » إشارة إلى أن هذا الدواء نافع ، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة فمن ثمّ أمره بمعاودة شراب العسل لاستفراغها . . . » كذا في فتح الباري ( ج 10 / 179 ، 180 ) لابن حجر ، وقد فصّل الكلام على هذه المسألة غير واحد من أهل العلم ، منهم : القرطبي في تفسيره ( 10 / 91 ) ، وابن كثير في تفسيره ( 2 / 575 ) ، والقاسمي في تفسيره ( 10 / 128 ) ، والدميري في « حياة الحيوان » ( 8 / 1256 ) . ( 2 ) ونحو ذلك في الفتح ( 10 / 180 ) نقلا عن الخطابي .